الشيخ محمد جميل حمود

466

الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية

سرر متقابلين قد كملت لهم أعلى درجات السعادة الاجتماعية ولتحقق حلم الفلاسفة الأقدمين في المدينة الفاضلة ، فما احتاجوا حينما يتبادلون الحبّ والمودّة إلى الحكومات والمحاكم ، ولا إلى الشرطة والسجون ، ولا إلى قانون للعقوبات وأحكام للحدود والقصاص ، ولما خضعوا لمستعمر ولا خنعوا لجبّار ولا استبدّ بهم الطغاة ، ولتبدّلت الأرض غير الأرض وأصبحت جنّة النعيم ودار السعادة . أزيدك ، أن قانون المحبّة لو ساد بين البشر ، كما يريده الدين ، بتعاليم الأخوّة - لانمحت من قاموس لغاتنا كلمة ( العدل ) - بمعنى أنّا لم نعد نحتاج إلى العدل وقوانينه حتى نحتاج إلى استعمال كلمته بل كفانا قانون الحبّ لنشر الخير والسّلام ، والسعادة والهناء ، لأنّ الإنسان لا يحتاج إلى استعمال العدل ولا يطلبه القانون منه إلّا إذا فقد الحبّ فيمن يجب أن يعدل معه ، أما فيمن يبادله الحبّ كالولد والأخ إنما يحسن إليه ويتنازل له عن جملة من رغباته فبدافع من الحبّ والرغبة عن طيب خاطر ، لا بدافع العدل والمصلحة . وسرّ ذلك أن الإنسان لا يحبّ إلّا نفسه وما يلائم نفسه ، ويستحيل أن يحبّ شيئا أو شخصا خارجا عن ذاته إلّا إذا ارتبط به ، وانطبعت في نفسه منه صورة ملائمة مرغوبة لديه . كما يستحيل أن يضحّي بمحض اختياره له ، في رغباته ومحبوباته لأجل شخص آخر لا يحبّه ولا يرغب فيه ، إلّا إذا تكونت عنده عقيدة أقوى من رغباته مثل عقيدة حسن العدل والإحسان . وحينئذ إذ يضحّي بإحدى رغباته إنما يضحّي لأجل رغبة أخرى أقوى كعقيدته بالعدل إذا حصلت التي تكون جزءا من رغباته ، لا بل جزءا من نفسه . وهذه العقيدة المثالية لأجل أن تتكوّن في نفس الإنسان تتطلّب منه أن يسمو بروحه على الاعتبارات المادية ، ليدرك المثال الأعلى في العدل والإحسان إلى الغير ، وذلك بعد أن يعجز أن يتكّون في نفسه شعور الأخوة الصادق والعطف بينه وبين أبناء نوعه . فأول درجات المسلم التي يجب أن يتّصف بها هي أن يحصل عنده الشعور بالأخوّة مع الآخرين ، فإذا عجز عنها - وهو عاجز على الأكثر لغلبة